الخطيب الشيخ حسن القيدوم بوصفه نموذجًا تقليديًا إيجابيًا
قبل أربع سنوات مضت، وفي محيط مجلس عزاء وفاة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) في أحد مآتم المنامة العريقة، وبينا كنت أهمّ بدخول المأتم، انساب إلى أذني صوتٌ هادئٌ عذب، يتلو عبائر شريفة، وكلمات نورانية، من نص رسالة اشتُهِرَ أن سيّدنا العسكري (عليه السلام) بعثها إلى الشيخ الجليل الثقة علي بن بابويه القمي، والد الشيخ الصدوق، فانجذبتُ على الفور وسارعتُ في الدخول وما إن جلست حتى استخرجت هاتفي لأقرأ نص رسالة الإمام من كتاب الكتروني متابعًا، منبهرًا بحافظة هذا الشيخ الذي يقرأها عن ظهر قلب، ومتسائلاً: من هذا الخطيب الموفّق الذي يراعي حق صاحب المناسبة فيحرص على قراءة كلامه ووصاياه، ويكرم مستمعيه وحضّار مجلسه بتعريفهم بتعاليم أئمتهم وبأسماء لامعة في سماء التشيّع كالشيخ ابن بابويه، في صورة مغايرة لما اعتدناه من منابر المآتم ومجالس العزاء؟
تتبّعتُ مجالس هذا الخطيب لاحقاً، وعرفتُ اسمه، وفي هذا المقطع الزماني الذي لم يعُد يختلف اثنان على تردّي حال الخطابة الحسينية والمنبر المأتمي فيه والحاجة الماسّة لإصلاح حاله والنهوض به، وجدتُ هذا الرجل، وهو سماحة الخطيب الشيخ حسن القيدوم، يسير بهدوء حاكيًا بأدائه المنبري والخطابي: النموذج المشرق والتقليدي الأصيل للمنبر ورجاله الحقيقيين. وبالرغم من أنني لا أحب مدح الرِّجال، وأرى في ذلك مفسدةً محتملةً للمادح والممدوح، غير أنّ لكل قاعدةٍ استثناء، وقد يحسُن في بعض الأحيان أن نسلّط الضوء على المناطق المضيئة والنماذج الناصعة من واقعنا، من أجل مصالح وغايات معيّنة.
إنك حين تمعن النظر في طبع هذا الرجل وحديثه ومنطقه وسلوكه العام، تعلم أنه ثُمالة زمانٍ مضى، وبقيّة عهدٍ عنوانه الرجولة والرزانة والوقار وحُسن السّمت والاعتدال، يُلحظ ذلك في طريقته الهادئة وصوته العفوي المؤثّر وغير المتصنّع في الخطابة، واختياره الدقيق للأبيات الرثائية الراقية، التي تحفظ منزلة الإمام المعصوم وتمجّده وتنعاه بأدبٍ واحترام ولا تزري بمقامه، وترتقي بذوق المستمع ولغته وثقافته ولا تنحدر للمستويات الهابطة. كما يُلحظ ذلك في إيفائه لمساحة النعي والرثاء في مقدمة المجلس وختامه بقوة وحرارة وتفاعل عال من المستمِعة، من غير تطويل وإغراقٍ مُخِل. كما يتميّز بذكره لأسماء نخبة الشعراء الكبار الذين يقرأ أبياتهم كالشريف الرضي، والسيد جعفر الحلّي، والشيخ محسن أبو الحب، وغيرهم من شعراء الفصيح، والشيخ ابن نصّار، والملا علي بن فايز، والملا عطية الجمري، وغيرهم من شعراء الدارجة، على سبيل المثال، مترحِّمًا عليهم، مذكِّرًا بهم وبآثارهم الأدبية، ومتيحًا فرصة التعرّف عليهم للجمهور والمُستمِعة في المآتم والحسينيات لا سيّما الأجيال اليافعة والشابّة، وكم في ذلك من نفعٍ وأثرٍ عظيم في تهذيب وصيانة الذائقة الأدبية لدى شباب الشيعة، وما يورثه ذلك من استقامة في الطريقة وسلامة في التفكير الديني والأخلاقي والعقائدي.
وإلى جانب ذلك، فإن هذا الخطيب الوقور يتمتّع بإلمامٍ ملحوظ بمجريات قصة الإمام الحسين (عليه السلام) وسيرته وشهادته، مع معرفةٍ بمصادر أجزاء الأحداث والوقائع فيها كلّ على حِدة، ودرجة اعتبار كل منها، واطّلاع على أمهات الكتب الإمامية الأولية، وأنواع كتب التراجم والرجال والفهارس، والمصادر التأريخية، وقد كانت محاضراته في الموسم العاشورائي من العام 1439 هـ شاهدًا على ذلك، إذ فصّل القول في هذا المجال، وعرض الكثير من الأحداث والوقائع والروايات التاريخية مع الإشارة لمصادرها، ونوّه بالمصادر الروائية المعتبرة التي تحتوي ما روي من أخبارٍ ونصوص زيارات عن أئمة أهل بيت العصمة والنبوة (عليهم السلام) وما فيها من تفاصيل نفيسة عن الحدث الكربلائي، ككتاب كامل الزيارات ومؤلفه الفقيه الثقة الجليل ابن قولويه، وغيره من الكتب، مع ترك مسألة القبول أو الرفض أو التوقّف للمستمع، من غير أن يفرض قناعاته وميوله الشخصية عليهم، وإن ذلك لَيكشف عن خُلُقٍ عال وتواضعٍ جمّ واحترامٍ لعقل المستمع، في الوقت الذي كانت بعض المنابر وتحت شعار إعادة قراءة التاريخ تخبط خبط عشواء وتأخذ الجمهور معها إلى فوضى النتائج المتسرّعة والأسئلة المفتوحة المحيِّرة التي تبقى من غير جواب علمي شافٍ.
كما لا يبتعد منبر الشيخ القيدوم عن هموم الناس وقضاياهم ومشاكلهم، واحتياجات المجتمع العقائدية والفكرية والأخلاقية لهدي الدين ونظامه التربوي، ولا يدّخر جهدًا في تقديم الرؤية الدينية المستقاة من آيات القرآن الكريم، وسنة النبي (صلى الله عليه وآله) وأحاديث عترته الأئمة الأوصياء (عليهم السلام)، وهو إن ذكر حديثًا معصوميًا، قدّم له بمقدّمةٍ لائقة، وأشار لمصدره باسم الكتاب ومؤلفه، ككتاب الكافي الشريف للشيخ الكليني، أو من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق، أو تهذيب الأحكام للشيخ الطوسي، أو الأمالي للشيخ المفيد، أو غيرها، ثمّ يقرأ الحديث، ويشرح ما قد يحتاج إلى مزيد شرحٍ وبيانٍ من كلمات الحديث ومعانيه، وربّما عرّف بالراوي المباشر للحديث بكلمة أو كلمتين من ما ذكره علماء الرجال الإماميون كالشيخ النجاشي والطوسي أو ما ورد ضمن كتاب الشيخ الكشّي أو تقييمٍ من السيد الخوئي، وكأنّه عبر سيرته المتكرّرة والمستمرّة هذه، يؤكّد على ضرورة استناد الخطاب التبليغي والمنبري على الطريق العلمي وعلى المصادر الإمامية الأصيلة، والتعريف بها، والإلفات إلى النصوص الصحيحة والمحكمة ذات المفاهيم التأسيسية كالزيارة الجامعة الكبيرة المروية عن سيدنا الإمام علي الهادي (عليه السلام) وكخطبة السيدة الزهراء (عليها السلام)، الأمر الذي يكسب المستمع ثقةً واطمئنانًا أنّ نُظُمنا الدينية والعقائدية والأخلاقية والتربوية تقوم على أساسٍ متين وتستمدّ سلامة مضمونها وشرعيّتها من الثقلين اللذين وصّى بهما نبيّنا الكريم (صلى الله عليه وآله): كتاب الله والعترة النبوية الهادية، لا من قصصٍ وحكايا مرسلة، ولا من منامات وأحلام ضبابية، ولا من رؤى وأفكارِ وأهواءٍ فردية، بل ولا أخبار وروايات متناثرة.
وإنّك إذا أحببت أن توجّه إليه ثناءً أو سؤالاً أو استيضاحًا أو ملاحظةً أو اعتراضًا أو نقدًا، فليس عليك إلا أن تقصده بُعيد المحاضرة في مكانه المعتاد بجانب المنبر حيث يجلس ساعة أو ساعتين أو أكثر من ذلك متواصلاً مع الناس بشتى أصنافهم ومنصتًا إليهم، وإنّك إن تجاذبتَ أطراف الحديث معه، لمستَ خلقًا عاليًا، وإقبالاً وإنصاتًا وحُسن استماع، مع ترحيبٍ ورحابة صدر. وإني أذكر حين لقيته وجالسته أوّل مرة في أحد المجالس الحسينية وأثنيتُ على خطابه وطريقته ومحاضراته لم يكن منه إلا أن اطرق برأسه ثم شكرني باقتضابٍ على حسن ظنّي، وأشار إلى وجود خطباء آخرين كفوئين، وتكلّم عن ضرورة تقدير المستمع واحترامه، وهذا من تواضعه وخلقه الحسن.
إن ما أريد قوله بإيجاز عبر هذه الكلمات البسيطة ليس تعداد المناقب وكيل المدائح لهذا الرجل، ولكني أريد تثمين النموذج المنبري والخطابي الذي يحكيه بسلوكه، والذي أراه يقوم على ركائز منها: الاتّزان والاعتدال، وسعة الاطّلاع، والمعرفة العامة بالتراث المعتبر وتشخيصه، والذوق الأدبي، وتحمّل المسؤولية، والتواضع. كل ذلك في سياق المنبر التقليدي الذي يؤدي دور التذكير والإرشاد وتعليم الناس قصة إمامنا الحسين المظلوم (عليه السلام) ورسالته ومعانيه، وترسيخ ارتباط الشيعة العقائدي والعاطفي معه (عليه السلام)، وإذكاء جذوة الأسى والحزن عليه، من غير أن يرافق ذلك شينٌ أو تشويش أو تحريف أو توهين أو إساءة (غير مقصودة) للحسين أو رسالة الحسين.
إن المرجو والمؤمّل من السادة والمشايخ الخطباء الكرام أن ينظروا لهذا النموذج الإيجابي بعناية واهتمام، وأن يلتفتوا إلى أن شريحةً واسعة من المستمعين الواعين متعطّشون إلى مثل هذا النموذج، وأنّ كل واحد منهم بإمكانه أن يحقق أهداف المنبر ويقدّم فائدة نوعية للناس إذا ما امتلك العزيمة على توخّي الركائز السابقة الذكر، بل وبإمكانه تقديم ما يفوق ذلك فيما لو عزم على أخذ المزيد من الخطوات الشجاعة والمتقدّمة على طريق إصلاح المنبر والنهوض به، فمن يمتلك هذه الإرادة؟
اللهم ارزقني شفاعة الحسين يوم الورود وثبّت لي عندك قدم صدقٍ مع الحسين وأصحاب الحسين الذين بذلوا مهجهم دون الحسين عليه السلام.
No comments:
Post a Comment